الشيخ محمد بن عمر نووي الجاوي
15
مراح لبيد لكشف معنى القرآن المجيد
بأمر اللّه تعالى على ما تقتضيه حكمته . لَهُ ما بَيْنَ أَيْدِينا وَما خَلْفَنا وَما بَيْنَ ذلِكَ ، أي لربك ما قدّامنا وما خلفنا من الجهات ، وما نحن فيه ، فلا ننتقل من جهة إلى جهة ، ومن مكان إلى مكان ، إلّا بأمره ومشيئته ، فليس لنا أن ننقلب من السماء إلى الأرض إلا بأمره وَما كانَ رَبُّكَ نَسِيًّا ( 64 ) أي تاركا لك بتأخير الوحي عنك ، فعدم النزول لعدم الأمر به لحكمة بالغة فيه . وقال أبو مسلم : ويجوز أن يكون قوله تعالى : وَما نَتَنَزَّلُ إِلَّا بِأَمْرِ رَبِّكَ ، حكاية قول أهل الجنة يدخلونها ، والمعنى : وما نتنزل الجنة إلا بأمر اللّه تعالى ولطفه ، له ما بين أيدينا في الجنة مما يكون مستقبلا ، وما خلفنا مما كان في الدنيا ، وما بين ذلك فيما نحن فيه مما بين الوقتين . وقول تعالى : وَما كانَ رَبُّكَ نَسِيًّا ابتداء كلام من اللّه تعالى ، تقرير لقولهم أي وما كان اللّه ناسيا لأعمال العاملين وللثواب عليها بما وعدهم ، لأنه عالم الغيب لا يعزب عنه مثقال ذرة . رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَيْنَهُما ، فلا يجوز عليه النسيان ، وهو بدل من ربك أو خبر مبتدأ مضمر أي هو فَاعْبُدْهُ ، يا أكرم الرسل ، وَاصْطَبِرْ لِعِبادَتِهِ ، وعدي الاصطبار باللام لأن العبادة جعلت بمعنى القرب ، ففيه معنى الثبات لأن العبادة ذات شدائد ومشاق ، فكأنه قيل : أثبت لعبادة الرب ، ولا يضق صدرك ، من قول الكافرين لك . هَلْ تَعْلَمُ لَهُ ، أي للرب سَمِيًّا ( 65 ) أي نظيرا فيما يقتضي العبادة ، من كونه منعما بأصول النعم وفروعها ، وشريكا في الاسم الخاص كرّب السماوات والأرض وما بينهما وكاللّه . وعن ابن عباس رضي اللّه عنهما : لا يسمّى بالرحمن غير تعالى . وَيَقُولُ الْإِنْسانُ أبي بن خلف الجمحي بطريق الإنكار والاستبعاد فإنه أخذ عظاما بالية ففتّها ، وقال : يزعم محمد أنا نبعث ما نموت ، ونصير إلى هذه الحال أو الوليد بن المغيرة ، أو أمية بن خلف . أَ إِذا ما مِتُّ لَسَوْفَ أُخْرَجُ حَيًّا ( 66 ) ، أي أبعث من الأرض . أَ وَلا يَذْكُرُ الْإِنْسانُ وقرأ نافع ، وابن عامر ، وعاصم ، وقالون ، عن يعقوب بسكون الذال ، وضم الكاف ، أي أيقول المجترئ بهذا الإنكار على ربه ولا يتفكر ، أَنَّا خَلَقْناهُ مِنْ قَبْلُ ، أي من قبل الحالة التي هو فيها من نطفة منتنة ، وَلَمْ يَكُ شَيْئاً ( 67 ) أي والحال أنه لم يكن حينئذ شيئا أصلا ، أي أولا يعلم ذلك من حال نفسه ؟ لأن كل أحد يعلم أنه لم يكن حيا في الدنيا ، ثم صار حيا فيها . فَوَ رَبِّكَ لَنَحْشُرَنَّهُمْ أي لنجمعنّ القائلين بعدم البعث بالسوق إلى المحشر ، بعد ما أخرجناهم من الأرض أحياء . وَالشَّياطِينَ . روي أن كل كافر يحشر مع شيطانه الذي يضلّه في سلسلة . ثُمَّ لَنُحْضِرَنَّهُمْ بعد طول الوقوف في المحشر حَوْلَ جَهَنَّمَ جِثِيًّا ( 68 ) ، أي باركين على الركب ، لما يدهمهم من شدة الأمر الذي لا يطيقون معه القيام على أرجلهم . ثُمَّ لَنَنْزِعَنَّ مِنْ كُلِّ شِيعَةٍ أي من كل أمة تبعث دينا من الأديان ، أَيُّهُمْ أَشَدُّ عَلَى الرَّحْمنِ عِتِيًّا ( 69 ) أي جراءة . أي فمن كان أشدهم تمردا في كفره ، خصّ
--> ( 16 : 78 ) ، والقرطبي في التفسير ( 11 : 128 ) .